ابراهيم الأبياري
193
الموسوعة القرآنية
فالأولى محمولة على التوحيد بدليل قوله بعدها : وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ والثانية على الأعمال . وقيل : بل الثانية ناسخة للأولى . وكقوله : فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً : مع قوله : وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ . فالأولى تفهم إمكان العدل ، والثانية تنفيه . والجواب أن الأول فيه توفية الحقوق ، والثانية في الميل القلبي ، وليس في قدرة الإنسان . وكقوله : إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ مع قوله : أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها . فالأولى في الأمر الشرعي ، والثانية في الأمر الكوني ، بمعنى القضاء والتقدير . الثالث : لاختلافهما في جهتي الفعل كقوله : فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ أضيف القتل إليهم والرمي إليه صلّى اللَّه عليه وسلم على جهة الكسب والمباشرة . ونفاه عنهم وعنه باعتبار التأثير . الرابع : لاختلافهما في الحقيقة والمجاز : وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى أي سكارى من الأهوال مجازا لا من الشراب حقيقة . الخامس : بوجهين واعتبارين ، كقوله ، فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ، مع قوله : خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ ، فبصرك ، أي علمك ومعرفتك بها قوية ، من قولهم ، بصر بكذا ، أي علم ، وليس المراد رؤية العين ، ويدل على ذلك قوله : فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ . وكقوله : الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ مع قوله : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ، فقد يظن أن الوجل خلاف الطمأنينة . وجوابه أن الطمأنينة تكون بانشراح الصدر بمعرفة التوحيد ، والوجل يكون عند خوف الزيغ والذهاب عن الهدى ، فتوجل القلوب لذلك ، وقد جمع بينهما في قوله : تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ . ومما استشكلوه قوله تعالى : وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى ( م 13 - الموسوعة القرآنية - ج 2 )